جمال الدين بن نباتة المصري
68
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
ما لا رويّة فيه ، ولا منفعة معه . فانصرف عن هذا الرّأى إلى غيره ، واعمد إلى من قبلك من العظماء والأحرار فوزّع بينهم مملكتهم ، وألزم اسم الملك كلّ من ولّيته منهم ناحية ، واعقد التّاج على رأسه وإن صغر ملكه ؛ فإنّ المتسمّى بالملك لازم لاسمه ، والمنعقد له بالتاج لا يخضع لغيره ، ولا يلبث ذلك أن يوقع بين كلّ ملك منهم وبين صاحبه تدابرا وتغالبا على الملك ، وتفاخرا بالمال ؛ حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليك ، ويعود بذلك حربهم لك حربا بينهم ، ثم لا يزدادوا في ذلك بصيرة إلا أحدثوها لك استقامة لك ؛ فإن دنوت منهم كانوا لك ، وإن نأيت عنهم تعزّزوا بك ؛ حتى يثب كلّ منهم على جاره باسمك ، وفي ذلك شاغل لهم عنك ، وأمان لإحداثهم بعدك ؛ ولا أمان للدهر ؛ وقد أدّيت للملك ما رأيته لي حظّا ، وعلىّ حقّا ، والملك أبعد رويّة ، وأعلى عينا ، فيما استعان بي عليه . والسلام الأبدىّ فليكن على الملك . فلمّا ورد كتاب أرسطاطاليس على الإسكندر تأمّله ، وعرف الحقّ ، وفرّق القوم في الممالك كما ذكر ، فسمّوا ملوك الطوائف . وسار الإسكندر إلى الشّرق ، فدانت له الملوك ، وبنى مدينة إصبهان وهراة وسمرقند ، ولما وصل إلى الهند خرج إليه ملكها في ألف فيل عليها المقاتلة ، وفي خراطيمها السّيوف الهنديّة ، فلم تثبت خيل الإسكندر ، فصنع الإسكندر فيلة من نحاس مجوّفة ، وربط خيله فيها حتى ألفتها ، وملأها نفطا وكبريتا ، ثم ألبسها السّلاح وجرّها على العجل إلى ناحية العدوّ ، وبينها الرجال ؛ فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النّار في أجوافها ، فلما اشتعلت تنحّى الرجال عنها ، وغشيتها فيلة الهند فضربتها بخراطيمها ، فأحرقت الرجال واحترقت ، فمن سلّم ولّى هاربا ، فكانت الدائرة على ملك الهند .